يعيش الكثيرون تجربةً صامتةً في الخفاء خلف السّتار بعيدًا عن الأنظار، يخفون المعاناة محاصرين بالخوف والقلق والإحراج، كلّ ذلك بسبب حالة طبيّة ليست نادرةً كما ستعتقدون بل هي شائعة جدًّا، وهي السّلس البرازيّ. قد يبدو الحديث عن السّلس البرازيّ محرجًا أو موضوعًا للسّخرية للبعض متناسين أنّها قضيّة صحيّة تستحقّ الاهتمام والتّفكير بإنسانيّة. فتخيّل نفسك في مكان مزدحم أو مع أصدقائك وفجأة دون إنذار ولا استعداد تفقد السيطرة على جسدك، لحظة خاطفة تغيّر نظرتك لنفسك وثقتك وكلّ تفاصيل حياتك، وتبقى في صراع بين الرّغبة بالعيش بحرّية والخوف من موقف غير متوقّع. لكن هناك جانب أكثر صدمةً أيضًا، وهو أن الكثيرون يعتقدون أنّهم استثناء ولديهم عيوبًا وأن الحالة غير موجودة ويبقون يعانون لوحدهم بصمت. الآن سنكسر حاجز الصّمت ونفتح الباب المغلق نحو الحقائق العلميّة والحلول الحقيقيّة، فالسّلس البرازي ليس لغزٌ غامضٌ، بل حالة يمكن فهمها وعلاجها لاستعادة السّيطرة على الجسد والحياة بأكملها.
الفهرس: 1-ما هو السّلس البرازيّ؟ 2-ما أعراض السّلس البرازيّ؟ 3-ما أسباب حدوث السّلس البرازيّ؟ 4-كيف يتم تشخيص السّلس البرازيّ؟ 5-ماهي طرق علاج السّلس البرازيّ؟ 6-كيف يمكننا الوقاية من السّلس البرازيّ؟
ما هو السّلس البرازيّ؟
السّلس البرازيّ هو التّسرب غير الإرادي للبراز عبر الشّرج والعجز عن السّيطرة على إخراج محتويات الأمعاء، وتتفاوت شدّته بين فقدان غير مقصود للغازات وتسرب البراز السّائل وصولًا إلى كامل محتويات الأمعاء، وقد يُطلق على سلس البراز أيضًا مصطلح سلس الأمعاء أو تسرّب البراز غير المقصود، ويحدث سلس البراز عندما يشعر الشّخص بحاجة مفاجئة للتّبرّز ولا يتمكّن من الوصول إلى المرحاض في الوقت المناسب، وقد يحدث عندما لا يشعر الشّخص بالحاجة إلى التّبرّز أيضًا. يسبّب سلس البراز آثارًا نفسيّةً واجتماعيّةً واضحةُ، إذ يؤثّر في قدرة الشّخص على العمل وأداء الأنشطة اليوميّة المعتادة، ويسبّب الإحراج والضّغط النّفسي وتدنّي تقدير الذّات والعزلة الاجتماعيّة. رغم أنّ الحالة صعبة المناقشة والتّوصيف وتُترَك غابًا دون تشخيص وعلاج، فإنّ العلاجات تحسّن من حالة سلس البراز وجودة الحياة.
أعراض السّلس البرازيّ :
إنّ العرض الأساسيّ هو عدم القدرة على التّحكّم في التّبرّز، ويحدث خلال مرض قصير الأمد يسبّب الإسهال أو يكون مزمنًا لدى بعض الأشخاص. وهناك نوعان للسّلس البرازيّ: السّلس الإلحاحي : يكون الشّعور بالحاجة إلى التّبرّز مفاجئًا مع العجز عن التّحكّم فيه لدرجة عدم التّمكّن من الوصول إلى المرحاض في الوقت المناسب. السّلس السّلبي: يكون خروج البراز دون إدراك الشّخص للحاجة إلى التّبرّز، إذ لا يشعر بامتلاء المستقيم بالبراز. ويظهر سلس البراز على شكل تسرّب للبراز عند إخراج الغازات أيضًا. إنّ الكثير من الأشخاص يشعرون بالحرج من مناقشة حالتهم، ولكن يجب الوعي بأنّ التّقييم المبكّر يزيد فرص تخفيف الأعراض، لذلك يجب مراجعة الطّبيب عند الإصابة بسلس البراز خاصّةً إذا كان: -يحدث على نحو متكرّر. -يسبّب ضائقة نفسيّة. -يؤثّر في القدرة على أداء الأنشطة اليوميّة. -(يؤدّي إلى تجنّب التّفاعل مع العائلة أو الأصدقاء.
أسباب السّلس البرازي :
الإسهال والإمساك: يؤدّي كل من البراز اللّين أو المائيّ الّذي يملأ المستقيم بسرعة ويصعب التّحكم فيه والبراز الكبير والصّلب الّذي يسدّ المستقيم ويسبّب تسرّب البراز الأكثر ليونةً حوله إلى سلس البراز. ضعف أو تلف العضلات: هناك دور مهم لعضلات الشّرج والمستقيم وقاع الحوض، إذ أنّها تتحكّم في آليّة خروج البراز، ويؤدّي ضعفها إلى سلس البراز. ومن الأسباب: إصابات النّساء في أثناء الولادة المهبليّة خاصّةً أذيًات الملقط. شق العجان في أثناء الولادة. إصابات الحوادث. الجراحة أو العلاج الإشعاعي. الّتقدم في العمر.
اضطرابات الجهاز العصبي : قد تؤثّر الإصابات أو الأمراض في عمل الأعصاب والعضلات في الشّرج أو المستقيم أو الحوض، وتؤثّر في الإحساس بالحاجة إلى التّبرّز أيضًا. ومن هذه الحالات: -أمراض الدّماغ : داء باركنسون وداء ألزهايمر وأنواع أخرى من الخرف والسّكتة الدّماغيّة والشّلل الدّماغي. -الأمراض المزمنة الّتي تؤثر في وظيفة الأعصاب : داء السّكري والتّصلب اللّويحي المتعدّد. -إصابات الحبل الشّوكي والأورام. -الجراحة. مشكلات تشريحيّة في الشّرج أو المستقيم : إنّ التّغيّرات التّشريحيّة غير الطّبيعية في الشّرج أو المستقيم تساهم إسهامًا كبيرًا في حدوث سلس البراز، مثل: تندّب والتهاب المستقيم: تؤدّي الإصابات أو الأمراض المزمنة الّتي تؤثّر في قدرة المستقيم على الاحتفاظ بالبراز إلى تندّب المستقيم والتهابه. هبوط المستقيم : ويقصد به تدلّي المستقيم عبر فتحة الشّرج . البواسير: إذ أنّها تمنع الإغلاق الكامل لعضلات الشّرج . القيلة المستقيميّة : وهي بروز المستقيم باتّجاه المهبل .
هناك عوامل خطر تزيد من خطر الإصابة بسلس البراز، ومنها: العمر: يصيب سلس البراز جميع الفئات العمريّة، ويزداد حدوثه لدى البالغين فوق سن 65 عامًا. الجنس: يكون أكثر شيوعًا لدى النّساء بسبب الإصابات المحتملة في أثناء الولادة، وتزيد العلاجات الهرمونيّة لانقطاع الطّمث من خطر الإصابة أيضًا. أمراض الجهاز الهضميّ: يزداد خطر الإصابة مع الأمراض المزمنة الّتي تؤثّر على الأمعاء، مثل: داء الأمعاء الالتهابي وداء كرون ومتلازمة القولون العصبيّ والدّاء البطني. الإعاقة الذّهنيّة: قد تؤثّر الإعاقة الذهنية أو الخرف في قدرة الشّخص على استخدام المرحاض وإدراك الحاجة إليه. الإعاقة الجسديّة: قد تجعل الإعاقة الجسديّة أو محدوديّة الحركة من الصّعب الوصول إلى المرحاض في الوقت المناسب، وتؤدّي الإصابات المسبّبة للإعاقة الجسديّة إلى تلف الأعصاب أو العضلات، ما يزيد من خطر الإصابة. عوامل نمط الحياة: تشمل زيادة الوزن وقلّة الّنشاط البدنيّ والتّدخين وتناول المشروبات الحاوية على الكافيين أو الكحول.
مضاعفات سلس البراز:
ضيق التّنفّس: يحاول العديد من الأشخاص إخفاء المشكلة وتجنّب المواقف الاجتماعيّة بسبب شعورهم بالإحراج والقلق أو الاكتئاب. تهيّج الأنسجة: يؤدّي التّلامس المتكرّر مع البراز إلى الألم والحكّة، إذ أنّ فتحة الشّرج تكون محاطةً بجلد حسّاس جدًا، ما يزيد من ظهور تقرّحات في أنسجة المستقيم.
تشخيص السّلس البرازيّ :
يقيّم طبيب مختصّ في أمراض الجهاز الهضميّ أو جرّاح القولون والمستقيم المريض، ويطرح أسئلة حول الأعراض وإجراء فحص سريري وفحص للمستقيم، ويطلب منه عدم الشّعور بالحرج والإجابة بصراحة عن الأعراض. يطلب إجراء بعض الفحوصات ليحدّد سبب تسريب البراز، ومنها:
–قياس ضغط الشّرج والمستقيم: يقيس قوّة عضلات المصرّة الشّرجيّة ومدى تنسيقها مع المستقيم للتّحكّم في التّبرّز. –اختبار طرد البالون: يُستخدم مع اختبار قياس ضغط الشّرج والمستقيم خاصّة عند الاشتباه بالإمساك المزمن، ويقيّم قدرة العضلات والمستقيم على إخراج البراز. –التصوير بالموجات فوق الصّوتيّة عبر المستقيم أو التّصوير بالرّنين المغناطيسيّ: يساعد في تقييم بنية عضلات المصرّة الشّرجيّة والأنسجة المحيطة بها وكشف التّلف أو التّشوّهات فيها. –اختبار زمن التّوصيل العصبيّ للعصب الفرجيّ: يقيس كفاءة عمل العصب الفرجي المسؤول عن التّحكّم في عضلات الشّرج. –تخطيط كهربائيّة عضلات المصرّة الشّرجيّة: يقيّم التّنسيق بين المستقيم وعضلات الشّرج، ويحدّد سبب ضعف العضلات وإذا كان لتلف الأعصاب دور فيه. –تصوير عمليّة التّبرّز: تستخدم الأشعّة السّينيّة أو الّرنين المغناطيسيّ لملاحظة كيفيّة عمل الأعضاء والعضلات في أثناء احتباس وإخراج البراز. –التّنظير: يستخدم منظارًا مزوّدًا بكاميرا لفحص الجهاز الهضميّ السّفلي للكشف عن الالتهابات والأورام والتّندّب، ويشمل تنظير القولون السّيني المرن وتنظير القولون لفحص الأمعاء الغليظة وتنظير المستقيم لفحص المستقيم والشّرج وتنظير الشّرج لفحص القناة الشّرجيّة. وقد يُطلَب تحاليل دم أو براز للكشف عن أسباب الإسهال المتكرّر مثل العدوى (البكتيريا والفيروسات أو الطفيليات).
علاج السّلس البرازيّ :
يعتمد العلاج على السّبب وشدّة الحالة، وقد يشمل الجراحة أو العلاج الدّوائيّ وتغيير نمط الحياة. 1-تعديل نمط الغذاء يمكن تعديل النّظام الغذائيّ في السّلس المرتبط بالإسهال أو الإمساك، ويُنصح بمراقبة الأطعمة المتناولة يوميًّا وتحديد الأنواع الّتي تؤثّر سلبًا في حركة الأمعاء لتجنّبها. إذ يُنصح بتجنّب في حالة الإسهال: -الكافيين والكحول وبعض عصائر الفاكهة والخوخ المجفّف. -البقوليات والخضروات من عائلة الكرنب. -الأطعمة الحارّة واللّحوم المدخّنة أو المعالجة. -المحلّيات الصّناعية. -منتجات الألبان.
ويُنصح في حالة الإمساك: تناول أطعمة غنيّة بالألياف (الحبوب الكاملة والفواكه والخضروات والبقوليات والمكسرات) شرب كميّات كافية من الماء (8–10 أكواب يوميًا) 2-التّمارين والتّدريب تساعد التّمارين على تحسين التّحكّم في حركة الأمعاء، إذ يمكن ممارسة بعض التّمارين الرّياضيّة في المنزل، بينما يتم إجراء البعض الآخر تحت إشراف مختصّ في العيادات الطّبيّة. 3-تدريب الأمعاء تدريب الجسم على توقيت التّبرّز، ما يساعدك على التّحكّم بطريقة أفضل في حركة الأمعاء.، وقد يتم استخدام حقنة شرجيّة يوميّة للمساعدة في تنظيم التّوقيت، ولكن يجب عدم استخدام الحقنة الشّرجيّة دون استشارة الطّبيب.
4-تمارين كيجل تساعد هذه التّمارين على تقوية عضلات قاع الحوض الدّاعمة للأعضاء المسؤولة عن التّبول والتّبرز مثل المستقيم والمثانة، وتعتمد على تناوب الشّدّ والإرخاء، ويجب ممارستها يوميًّا لضمان الحصول على نتائج فعاّلة. 5-الارتجاع البيولوجي: يتم تحت إشراف مختصّ باستخدام أجهزة استشعار (أقطاب كهربائيّة) توضع على الجسم لتسجيل نشاط العضلات وعرضه على جهاز كمبيوتر، إذ تساعد هذه التّقنية على تحديد العضلات المسؤولة عن التّبرز وتدريبها لتحسين أدائها ومنع التّسرّب. 6-العلاج الدّوائي تشمل الأدوية المستخدمة: أدوية مضادة للإسهال أدوية لعلاج الإمساك مثل المليّنات والتّحاميل والحقن الشّرجيّة. أدوية الإسهال: لوبراميد . ديفينوكسيلات . أدوية الإمساك (وأحيانًا الإسهال): ميثيل سيلولوز . سيلليوم . يجب عدم استخدام الأدوية الّتي تُصرف دون وصفة طبية قبل استشارة الطبيب.
7-العلاج الجراحي : –رأب المصرّة الشّرجيّة: يتم فيه تقوية إغلاق فتحة الشرج عبر إصلاح عضلات المصرّة الشّرجية المتضرّرة وخياطتها معًا. المصرّة الشّرجيّة الاصطناعيّة: زرع جهاز صناعي حول الشّرج ليحاكي وظيفة العضلة الطّبيعية. –تحفيز العصب العجزي: زرع جهاز صغير تحت الجلد في منطقة أعلى الأرداف، إذ يرسل نبضات كهربائيّة خفيفة إلى العصب العجزي، ما يساعد في التّحكم بوظيفة المثانة وعضلات الشّرج وقاع الحوض. –حقنة القولون الأماميّة: إنشاء مسار صغير من الجلد إلى القولون، ويُستخدم لإجراء تنظيف يوميّ للأمعاء. –فغر القولون: إجراء جراحي يُنشأ فيه فتحة في البطن لإخراج القولون إلى سطح الجلد، ويتم تثبيت كيس خارجي لتجميع البراز، ويُستخدم عادةً عندما تفشل الخيارات الأخرى.
الوقاية من السّلس البرازيّ:
1-علاج الإسهال مبكرًا. 2-تجنّب الشدّ في أثناء التّبرز لأنه قد يسبّب تلف الأعصاب والعضلات المسؤولة عن التّحكم في الإخراج. 3-تقليل الإمساك: من خلال زيادة النشاط البدني وتناول أطعمة غنية بالألياف وشرب كميّات كافية من السّوائل. 4-السّيطرة على الإسهال: بتجنّب الأطعمة والمشروبات الّتي قد تزيده سوءًا مثل المشروبات المحتوية على الكافيين والكحول ومنتجات الألبان والأطعمة الدهنية. 5-حماية الجلد من التّهيج والتّقرحات: تجنب استخدام ورق التّواليت بكثرة استخدم مناديل مبلّلة خالية من العطور والمواد الكيميائيّة نظّف المنطقة بعد كلّ تبرز باستخدام ماء دافئ بدل الصّابون جفف المنطقة بلطف استخدم كريمات واقية تحتوي على أكسيد الزّنك أو اللانولين تجنب استخدام الفازلين ارتدِ ملابس داخلية قطنيّة وتجنّب الملابس الضّيقة 6-الصّحة النّفسية والاجتماعيّة استخدم فوطًا أو ملابس داخليّة مخصصة في حال القلق من التّسرب تناول أدوية تقلّل رائحة الغازات والبراز (مزيلات الرّوائح) احرص على دخول الحمام قبل الخروج من المنزل احمل معك مستلزمات إضافيّة مثل ملابس احتياطيّة حدّد موقع الحمام فور وصولك لأي مكان لتجنّب التّوتر عند الحاجة المفاجئة
السّلس البرازيّ: الأسباب، الأعراض، العلاج وطرق الوقاية.